السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
219
مختصر الميزان في تفسير القرآن
فأكله الرجال والنساء جميعا ، وإن كانت أنثى شقوا أذنها فتلك البحيرة ثم لا يجزّ لها وبر ، ولا يذكر لها اسم اللّه إن ذكيت ، ولا حمل عليها ، وحرم على النساء أن يذقن من لبنها شيئا ، ولا أن ينتفعن بها ، وكان لبنها ومنافعها للرجال خاصة دون النساء حتى تموت فإذا ماتت اشتركت الرجال والنساء في أكلها ، عن ابن عباس ، وقيل : إن البحيرة بنت السائبة ، عن محمد بن إسحاق . وأما السائبة ففي المجمع أنها ما كانوا يسيبونه فإن الرجل إذا نذر القدوم من سفر أو البرء من علة أو ما أشبه ذلك قال : ناقتي سائبة فكانت كالبحيرة في أن لا ينتفع بها ، وأن لا تخلى عن ماء ولا تمنع من مرعى ، عن الزجاج ، وهو قول علقمة . قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ إلى آخر الآية في حكاية دعوتهم إلى ما أنزل اللّه إلى الرسول الذي شأنه البلاغ فقط فالدعوة دعوة إلى الحق وهو الصدق الخالي عن الفرية ، والعلم المبرى من الجهل فإن الآية السابقة تجمع الافتراء وعدم التعقل في جانبهم فلا يبقى لما يدعون اليه - أعني جانب اللّه سبحانه - إلا الصدق والعلم . لكنهم ما دفعوه إلا بالتقليد حيث قالوا : حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ، والتقليد وإن كان حقا في بعض الأحيان وعلى بعض الشروط وهو رجوع الجاهل إلى العالم ، وهو مما استقر عليه سير المجتمع الإنساني في جميع أحكام الحياة التي لا يتيسر فيها للانسان أن يحصّل العلم بما يحتاج إلى سلوكه من الطريق الحيوي ، لكن تقليد الجاهل في جهله بمعنى رجوع الجاهل إلى جاهل آخر مثله مذموم في سنة العقلاء كما يذم رجوع العالم إلى عالم آخر بترك ما يستقلّ بعمله من نفسه والأخذ بما يعلم غيره . ولذلك ردّه تعالى بقوله « أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ » ومفاده أن العقل - لو كان هناك عقل - لا يبيح للانسان الرجوع إلى من لا علم عنده ولا اهتداء فهذه سنّة الحياة لا تبيح سلوك طريق لا تؤمن مخاطره ، ولا يعلم وصفه لا بالاستقلال ولا باتباع من له به خبرة .